منذ انتقلت إلى هضبة المقطم، أغادر البيت بعد الواحدة من صباح كل يوم تقريباً، كي أشتري جرائد الغد. إنهم على مقربة من منزلي.
في مفترق الطرق الواسعة، تجلس فتاة شابة على رصيف صينية مستديرة يتوسطها عمود إنارة مرتفع، أمامها قفصان من الجريد رصت عليها مجموعة من جرائد الغد وإلى جوارها بعض الجرائد الأخرى والمجلات. تضع على كل مجموعة حجراً حتى لايطيرها الهواء. في التقاطع التالي يوجد بائع آخر عنده مجموعة أكبر أكثر تنوعاً. الفتاة تلاحظ حمولتي من الجرائد وتبادلني الكلام.
مرة: «سلامات ياحاج».
ومرة: «إوعى تشتري من حد تاني».
أو تأنس أكثر وتقول:
«تعرف ياحاج، أنا عندي خالة زي القمر، تفسي أجوزها لك».
في المرة الأخيرة قالت، نفرض ياحاج، إن واحد وواحدة بيحبوا بعض، وربنا رايد لهم أنهم يتجوزوا، يبقى لازم يتجوزوا، ولاممكن لأ؟
كانت تجلس أمامي على الرصيف وقد ضمت ركبتيها وشدت أطراف جلبابها القديم تحت قدميها، كما كانت تطوي ذراعيها على صدرها وتخبئ كفيها تحت إبطيها من هوائه. وأنا لم أكن أعرف ماذا أقول لها ولكني أخبرتها أن ربنا سبحانه وتعالى، لو كان كاتبلهم أن يتزوجوا فسوف يتزوجون طبعا والبنت لم تكن تريدني أن أنصرف قبل أن تواصل كلامها الذي لم يكن يقطعه سوى اقتراب إحدى العربات وتوقف قائدها لشراء جريدة أو أكثر.
قالت وهي تهرب بعينيها:
« أصل أنا باحب واحد، وأمي مش موافقة إني أتجوزه».
وأنا لم اعلق. وهي رفعت وجهها وسألتني:
قلت: «يتجوز طبعاً. لكن لازم يكون جاهز للحكاية دي».
«إزاي يعني؟»
«يعني يكون عنده شغل مثلاً»:
«أمي بتقول إنه ماعندوش أي حاجة. مش راضية»، وتمتمت: واحنا بنحب بعض.
أخبرتها أن أمها تبحث عن مصلحتها. قالت:
«آه»، ورفعت وجهها: «لكن لو ربنا كاتبه لي، يبقى لازم أتجوزه، صح؟».
«صح».
«حتى لو أمي مش موافقة».
«طبعاً».
قالت: لكن أمي بتقول إنه جاهل وانتا متعلمة».
«هو انتي متعلمة؟»
«أنا معايا دبلوم تجارة». وقفت أمامها صامتاً.
وعندما توفقت إحدى العربات تحركت مبتعداً ولكنها صاحت: «والنبى تستنى شوية».
وكان الراكب قد مد يده من نافذة العربة وتناول جريدته وأنصرف.
«باقول لك إيه ياحاج، هو ليه الواحدة لما تبكي، دماغها بتوجعها؟»
فكرت قليلاً وأنا أتطلع إلى التعبير الحزين الذي ارتسم على وجهها. ووجدتني أخبرها أن المجهود الذي يبذله الواحد في البكاء، ممكن يوجع الدماغ.